لماذا الخوف على الجامعة التونسية من التسيير الديمقراطي التشاركي؟
بقلم: سامي العوادي - أستاذ تعليم عال - جامعة تونس المنار
تدفعنا متابعتنا لملف «القانون التوجيهي للتعليم العالي» من موقعنا كأساتذة جامعيين الى تسجيل ارتياحنا للتطور الذي حصل على المستوى «الاجرائي» في مناقشة المشروع بالمقارنة مع ظروف مناقشة مشروع قانون 28 جويلية 1989 والمصادقة عليه أمام مجلس النواب، حيث تم عرضه على ممثلي الشعب مرفقا بطلب من الاستعجال في مناقشته والمصادقة عليه وقد تمت الاستجابة الى هذا الطلب الذي يستوجب طبقا للنظام الداخلي لمجلس النواب النظرفي المشروع، اي دراسته من طرف اللجنة المختصة ومناقشته من طرف النواب ثم المصادقة عليه، في غضون أسبوع.
فأن يكون مشروع مراجعة هذا القانون اليوم موضوع حوار صلب الهياكل الدستورية (المجلس الاقتصادي والاجتماعي ومجلس النواب..) والأحزاب السياسية وداخل الاوساط الجامعية، وان يكون كذلك محل اهتمام مكوّنات المجتمع المدني وعلى رأسها المركزية النقابية العمالية سواء من خلال «الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي» أو داخل هياكلها المركزية او من خلال تدخلات ممثليها داخل الهياكل الاستشارية للدولة، فإن هذه الظاهرة الصحية دليل صارخ على تحقق أكثر من مكسب نوعي:
أولها، تنامي نضج الوعي الجماعي بتحديات الفترة وتطلع المجموعة الوطنية الى المشاركة في تحديد تصورات المستقبل بالنسبة لقطاع لم تفتأ هذه المجموعة تراهن عليه دولة وشعبا في سبيل الرقي الاجتماعي. وثانيها، وعي الجامعيين بدور الجامعة العمومية الرائد والتاريخي في تحقيق هذه الرهانات. وهم يحتفلون اليوم بمرور نصف قرن على احداثها، لا يسعهم الا أن يقفوا وقفة تأمل لتثمين ما تحقق لها من نجاحات خلال فترات يعزى فيها الامر الى حد كبير الى تحقق المعادلة الصعبة بين ديمقراطية التسيير ونجاعة الاداء، وهي ذات المعادلة التي يأملون اعادة بناء ركائزها ايمانا منهم بضرورتها لإنجاح مشروع اصلاح الجامعة لتظلّ منارة للعلم والمعرفة ومدرسة لقيم المشاركة والمواطنة، وهذا ليس بالكثير ولا بالعزيز عليها وعلى شعب تعلقت همّته بقيم الحداثة والحرية والعدالة الاجتماعية. وأما ثالثها، فيتثمل في الاجماع الحاصل بين كل الجهات حول ضرورة ارساء وترسيخ آليات التسيير الديمقراطي التشاركي للجامعات بما يكفل تشريك الأطراف المعنية وخصوصا منها اطار التدريس في ادارتها عبر أعمال آلية الانتخاب لاختيار رؤساء الجامعات والمؤسسات الجامعية ولاختيار ممثلي الأساتذة داخل هياكل المداولة.
لكن في مقابل ذلك تواصل الوزارة اعتماد تمشّ أقل ما يمكن ان يقال فيه انه غير مواكب لهذا التطور الحاصل أولا في مستوى الوعي الجماعي وثانيا في مستوى وعي الجامعيين، علاوة على عدم انسجامه مع تطلعات المجموعة في المستويين المذكورين.
ورغم ما بدا من تشدد في موقف الوزارة في هذه المرحلة، فقد تنامى الامل في تبلور رؤية مختلفة لديها لما نشرت الصحف خبر ارجاع مشروع القانون التوجيهي الى الحوار أمام اللجان البرلمانية. لكن سرعان ما بدأ الأمل يتبدد حين نشرت محتوى التنقيحات التي أجرتها الوزارة على بعض فصول المشروع لتدخل عليه «تغييرين» أريد بهما في الواقع اعادة تأسيس مشروعية النص refondation de légitimité du texte دون ادخال تغييرات جوهرية على محتواه الاصلي وسنتناول هذه الاضافات بالتحليل.
أما الاضافة الاولى الى العنوان الاول للمشروع المتعلق بـ»الاهداف الأساسية والتنظيم العام» في الفصل 9 في صياغته الجديدة فإنها تنطلق من مبدإ يجعل من الطالب «محور منظومة التعليم العالي» لتقر له جملة من الحقوق التي يجوز وصفها بـ»الحقوق الاجرائية» كالتنصيص على حق الطالب في «تلقي» الدروس و»التأطير» من قبل المدرّسين و»الاسهام» في نحت مساره و»الاعلام» حول مسالك التكوين، كان لابد من اضافة حق اجرائي أساسي وهو «حرية وسرعة الوصول الى المعلومة بواسطة التكنولوجيات الحديثة» خصوصاوان مختلف فصول المشروع تركز على مسايرة هذه التكنولوجيات من ذلك ما ورد بالفصل الاول من المشروع من أن التعليم العالي يهدف الى ارساء التكوين الجامعي والاسهام في ارساء مجتمع المعرفة بأبعاده العلمية والمعلوماتية. فكيف تتحقق هذه الأبعاد دون تمتيع الطالب بمجانية التعليم في تكوينه الجامعي وبحرية وسرعة الوصول الى المعلومة حول مسالك التكوين والآفاق المهنية وقبل ذلك وضعيته الجامعية.
إن الاكتفاء للطالب بمجرّد «حقوق الجرائية» من شأنه أن يقصي «حقوقه الجوهرية» التي أساسها حق الطالب في معرفة موضوعية تكفل له القدرة على التفكير وليس مجرّد التنفيذ وذلك بواسطة تكوين علمي قائم على الفكر النقدي الحرّ وكذلك بتوفير مناخ دراسي يكفل تكافؤ الفرص في تحصيل العلم والنجاح نظرا لضعف الضمانات في هذا المجال بفعل تراجع مبدأ المجانية من ناحية وعدم ضبط معايير علمية وموضوعية لتطور الخارطة الجامعية من ناحية أخرى. لا بدّ من التنصيص في المقام الأول على هذه الحقوق حتى يكون الفصل متماشيا مع ما ورد في مقدمته من أن «الطالب محور منظومة التعليم العالي» وحتى يصبح نفس الفصل متلائما مع الفصل 10 من نفس المشروع الذي ينص على أن «الجامعات مستقلة في أداء وظائفها البيداغوجية والعلمية وتضمن موضوعية المعرفة» وحتى يكون هنالك تواصل بين هذا الفصل والفصل الثاني فقرة 5 الذي يجعل من المهام الأساسية للتعليم العالي «المساهمة في إشاعة قيم المواطنة وتجذير الانخراط في الحداثة وتأكيد الهوية الوطنية» وهي أهداف لا يمكن أن تتحقق بمجرد الاعتراف للطالب بحقوق اجرائية بحتة.
وأما الاضافة الثانية التي أدرجت بمقتضى الفصل 42 وما ترتب عنها من تحوير في مستوى الفصول المرتبطة به، فإنها تنطوي على محاولة الوزارة إضفاء نوع من الاستقلالية على «الهيئة الوطنية للتقييم وضمان الجودة والاعتماد» بتحويلها من «هيئة لدى الوزير المكلف بالتعليم العالي» الى مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية القانونية والاستقلال المالي، الشيء الذي يرتقب منه أن يضفي بدوره صفة الموضوعية على القرارات التي ستتخذها في اطار ممارستها للصلاحيات المخولة لها في تحديد معايير الجودة وإعمالها في تقييم أداء المؤسسات الجامعية وإسناد مختلف أصناف الاعتماد التي تترشح لها هذه الأخيرة.
لكن وللأسف الشديد لم تكن هذه التحويرات في مستوى تطلعات الجامعيين وذلك للأسباب التالية:
أولا لأن تحويل الهيئة إلى مؤسسة عمومية حسب مقتضيات النص الجديد لا تشكل بأي حال ضمانا لاستقلاليتها ذلك لأن صمت النص عن تحديد وصفها القانوني ـ أي في ما إذا كانت مؤسسة عمومية ذات صبغة إدارية أم ذات صبغة غير إدارية أم ذات نظام خاص ـ وكذلك صمته عن تحديد نظامها القانوني بما في ذلك تركيبة هياكلها، لا يحلّ مشكل تبعتيها خصوصا وأن الفصل 42 الجديد أشار الى استقلالها المالي وليس استقلالها الاداري، ثم إن الفصل 48 إن حافظ على نفس المضمون من أن الهيئة المذكورة تسهر على إنجاز عملية التقييم «حسب الأولويات التي يحددها وزير التعليم العالي» يصبح غير متماشيا مع الفصل 42.
علاوة على ذلك ولكي تكون معايير الجودة التي تحدّدها الهيئة في ثوبها الجديد معايير موضوعية وذات مصداقية مثلما يؤكد على ذلك المشروع، لا بدّ أن تكون مستقلة إداريا عن وزارة التعليم العالي لأن المطلوب في عملية تقييم موضوعية توفر معايير علمية وأكاديمية متوافق عليها مما يستوجب أن تشمل الهيئة ضمن تركيبتها أساتذة جامعيين وأكاديميين مختصين من ذوي الكفاءة والصّيت العلمي والمهني وهي تركيبة نوعية لا يتسنّى تأمينها إلا باعتماد مبدإ الانتخاب في اختيار أعضائها ضمانا لاستقلاليتها الفعلية، فالتقييم يفترض بالضرورة التقويم الذي يتحول في غياب الاستقلالية الى مجرّد تقدير أو تصديق.
ثانيا لأن ما نلاحظه من اضطراب وتناقض في محتوى الفصول في ما يتعلق بصلاحيات الهيئة يدلّ على الارتجال في تصور هذه الآلية ونقص في وضع الضمانات لاستقلالية عملها وموضوعيت
Aucun commentaire pour cet article
| Août 2008 | ||||||||||
| L | M | M | J | V | S | D | ||||
| 1 | 2 | 3 | ||||||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | ||||
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | ||||
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | ||||
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | ||||
|
||||||||||