Mercredi 6 février 2008
ولا يسعنا في هذا الإطار إلاّ أن نعبّر أسفنا واحتجاجنا على التّمشّي الذي تنتهجه وزارة الإشراف في صياغتها لمشروع "القانون الإطاري للتعليم العالي" إذ عمدت إلى مواصلة تغييب مبدا "الحريات الأكادميًّة والعلميًّة" وكذلك "مبدا إستقلاليّة الجامعة" من النًّصًّ التًّشريعي. كما أنّ هذا التّمشّي قد بدّد الأمل في تصحيح النّصّ الجديد للمفهوم المغلوط للجامعة ولاستقلاليًّتها الوارد في النّصّ السّابق حيث احتوى هذا الأخير على مفارقة إذ أنّه أوّل نصّ يكرس في عبارته "مبدأ إستقلاليّة الجامعة"(الفصل الثاني من قانون89) لينحرف به عن معناه الأصلي بحيث أنّه لم يرتّب أيّة ضمانة فعليّة الأطراف المعنيّة به. ويرجع ذلك إلى انًّ" الجامعة" في نظر الوزارة ليست هيكلا وإطارا أكاديميا بالشكل المعمول به في أنظمة أخرى مقارنة (أوروبية وعربيّة) وإنّما هي هيكل إداري يراقب ويشرف على المؤسسات الجامعيّة في مستوى الجهات لتخفيف العبء على وزارة الإشراف وتنفيذ قراراتها خاصة إذا ما رجعنا إلى تنظيمها الإداري حيث نلاحظ الأهميّة التي يكتسيها دور رئيسها المعيّن من قبل الإدارة ومصالحه الإداريّة المشتركة بالمقارنة مع حالة التبعيّة التي يوجد فيها مجلس الجامعة الذي وضع تحت تصرف رئيسه سواء فيما يتعلّق بتاريخ انعقاده أو بجدول أعماله. في المقابل سلبت الهياكل الممثّلة داخل المؤسسات هذه السلطة في التسيير العلمي والبيداغوجي والإداري إذ إقتصر دورها على إبداء آراء غير ملزمة للسلطة المشرفة عليها جهويًّا ووطنيًّا.
 وتواصل الوزارة رفضها لمطلب الجامعيين لانتخاب رؤساء الجامعات بناء على مغالطة جديدة من خلال إخضاع انتخاب رؤساء الجامعات لشرط اعتمادها على مصادر تمويل "غير عمومية" تبرّر إنتخابهم من قبل هيأة المموّلين إن جاز القول، وفي غياب ذلك يفقد ذلك المطلب أساسه الموضوعي(حسب قولها) نظرا لتمويل الجامعات التّونسيّة عن طريق ميزانيّة الدّولة ممّا يستوجب تعيين المتصرّفين من قبل الدّولة. هذه الإجابة مردودة لعدة أسباب من أهمها:
× أنّ رؤساء الجامعات في كلّ البلدان المتقدّمة هم منتخبون من طرف زملائهم إعمالا لمبدأ إستقلاليّة الجامعة والجامعيين، هذا المبدأ الذي يبوّأ عندهم منزلة المبدا الدّستوري الذي تحمل التّشريعات على احترامه. ويجدر بنا أن لا نخلط بين هذه المؤسّسة ومؤسّسة "رئيس الأكاديميّة"Le recteur، التّسمية التي تطلق خطأ على رئيس الجامعة في تونس، ذلك لأنّ الأوّل يمكن أن يعيّن على عكس رئيس الجامعة.
× أنّ الرّبط بين مبدإ الإنتخاب وطريقة التّمويل عن طريق المؤسسات الخيريّة في غير محلّه لأنّه يرجع بنا إلي تاريخ بعيد لنشأة المؤسّسات الأكاديمية في البلدان الغربيّة فإنّ الجميع يعلم أنّه تمّ تركيز تعليم عال عمومي في كلّ الدّول المتقدّمة يتمّ حاليا تمويل نفقاته عن طريق الموازين العموميّة دون أن يمنعها ذلك من اعتماد مبدا الإنتخاب.
2 - إستقلاليّة الجامعة ورهان الجودة.
تشمل المبادئ الأساسية حسب تأويل الفقهاء إلى جانب "مبدأ إستقلاليًّة الجامعة والجامعيين" و"الحرِّيات الأكادميًّة"، جملة المبادئ التي تحكم تسيير القطاع بوصفه مرفقا عامًّا service public وهي علي التًّوالي : المساواة في الدُخول إلى الجامعة وفي المعاملة والحظوظ بين كافًّة المنتفعين من طلبة وأساتذة ثمًّ ضمان السًّير العادي للنًّشاط بما يضمن استمراريًّته continuité du service public وتأقلمه adaptabilitéالمتواصل مع حاجياتهم من حيث كمِّ الخدمات وجودتها. ولقد تمّ تعزيز قائمة المبادئ العامّة، أي "المقاييس" التي يخضع لها تسيير مرفق التّعليم العالي على غرار بقيّة النّشاطات المرفقيّة الأخرى، بجملة من المبادئ الجديدة والمستحدثة تهدف إلي إخضاع النّشاط إلى "مقياس الجودة" la qualité وما يستوجبه من "تقييم" لأداء المؤسّسات والأشخاص من ناحية، وكذلك ما ينجرّ عنه من "عقلنة" للتّصرّف في إمكانيّات القطاع وتوظيفها لتقديم أجود الخدمات لكلّ المنتفعين في ظلّ المبادئ العامّة المذكورة آنفا. وهذا من شأنه أن يثير عديد الإشكالات المتعلّقة بتحديد محتوى هذه المبادئ والمقاييس وإخضاعها إلى مقتضيات "استقلالية الجامعة" من خلال آليات تجسيدها،حتّى يتسنّى لنا الإرتقاء بمردوديًّة الجامعة العموميًّة وجودة خدماتها وقدرتها على مواجهة تحديات المرحلة القادمة بكلفة اجتماعيًّة وسياسيًّة غير مجحفة بالنسبة للمجموعة الوطنيًّة. ويجدرالتّأكيد على أنّ هذه المسائل تندرج في صميم المبادئ الأساسيّة للتّعليم العالي التي جعلها دستور البلاد من اختصاص المشرّع يباشرها في شكل قانون (الفصل 34 من الدّستور) يضمّنه:
× تحديدا واضحا لهذه المفاهيم الجديدة كالتّقييم والجودة والاعتماد حتّى تكون مقاييس تحتكم إليها الأطراف المعنيّة وتتحدّد على أساسها شرعيّة وجدوى عمل أنظمة ومؤسّسات القطاع.
× تنصيصا على الضّمانات الضّروريّة حتّى تكون آليات تفعيل هذه المقاييس الجديدة من ناحية محترمة لمقتضيات تحصين الوظيفة الاجتماعيّة للقطاع (لكي لا تكون الجودة مجرّد غطاء لخوصصة القطاع أو لخوصصة موارده) ومن ناحية أخرى مكرّسة لمشاركة الأطراف المعنيّة (طلبة وأساتذة باحثين) في وضع معايير موضوعيّة وواضحة بعد التّداول في شأنها من قبل الهياكل التّمثيليّة بدءا بالمجالس العلمية، ثمّ مجالس الجامعات ليتمّ تنسيقها داخل هيكل وطني خاصّ بالتّعليم العالي والبحث العلمي. وتهمّ هذه المعايير والمقاييس على الأقلّ المسائل التّالية:
- توزيع الخارطة الجامعيّة.
- معايير الإشراف على المؤسّسات الجامعيّة.
- مقاييس توزيع عناوين الميزانيّة ومعايير اعتماد برامج الأهداف الخاصّة بالمؤسّسات.
- موضوع عقود البرامج المزمع إبرامها في إطار برنامج دعم الجودة.
- مقاييس ترتيب برامج الإستثمار والـتّجهيـز.
- معايير الجودة ومقاييس تقييمها بشكل واقعي يأخذ بعين الإعتبار خصوصيّات المؤسّسات.
× تنصيصا على ضرورة إدراج إلزامية العمل بمساءلة الهياكل القائمة بتنفيذ البرامج والقرارات في كافّة مستويات التّسيير إعمالا لثقافة التّقييم والمساءلة في تسيير المرافق العموميّة بحيث تقوم الهياكل التّنفيذيّة بتقديم تقارير دوريّة حول إنجاز البرامج ونتائجها ويكون ذلك كالآتي:
- مراجعة رؤساء المؤسّسات للمجالس العلميّة.
- مراجعة رؤساء الجامعات لمجالس الجامعات.
- مراجعة الوزير للمجلس الأعلى للتّعليم العالي والبحث العلمي وللسّلطة التّشريعية.
* كما يستوجب الأمر أيضا ولضمان تماسك المنظومة ألاّ يتضمن مشروع القانون إحالة إلى السلطة الترتيبية (التي تمارس عن طريق الأوامر) فيما يتعلق بالمبادئ الأساسية ومعايير تجسيدها، كما يستحسن أن يتم إعداد النصوص الترتيبية بشكل متزامن مع مشروع القانون والتشاور مع ممثلي إطار التدريس في شان محتواها.
(*) أستاذ تعليم عال
جامعة تونس المنار
par Universitaire tunisien
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Mercredi 6 février 2008

Assabah 5/2/2008

استقلالية الجامعة بين رهان الديموقراطية الإدارية وجودة الأداء
بقلم: سامي العوادي (*)

//

يستمدّ قطاع التّعليم العالي خصوصيّته من جملة من المبادئ العامّة تسمّى "المبادئ الأساسيّة للتّعليم العالي" وهي مبادئ لها جذورها في الدّستور التّونسي وبالتّالي تحظى بقيمة دستوريّة وجب احترامها والخضوع لها من طرف القانون (التّشريع) وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:

//

* مبدأ استقلاليّة الجامعة والجامعيين.

* مبدأ الحرّيات الأكادميّة.
* مبدأ حماية المرفق العامّ للتّعليم.
 ويمثّل مبدأ الإستقلالية الضّمانة الأساسية الممنوحة للتّعليم العالي وقد نصّ الفصل 34 من الدّستور على أن تتخذ شكل قوانين النّصوص المتعلّقة "بالضّمانات الأساسيّة الممنوحة للموظّفين المدنيين.." كما نصّ نفس الفصل على "ضبط القانون للمبادئ الأساسيّة للتّعليم".
1 - مبدأ إستقلاليّة الجامعة ورهان الدّيمقراطيّة الإداريّة.
ويعتبر هذا المبدأ ضمانة للجامعات أو مؤسّسات التّعليم العالي لا فقط بوصفها مؤسّسات عموميّة قائمة من حيث تعريف المؤسّسة العموميّة على مفهوم الإستقلاليّة، بل بوصفها بالخصوص مؤسّسات عموميّة قائمة بنشاط علمي وأكاديمي اقترن تسييره بالطّابع التّشاركيparticipatif لتنظيمه بحيث يقع تمثيل الأطراف المشاركة والمعنيّة بهذا النّشاط المناط بعهدتها، كما يعهد بمسؤوليّة تسيير هذه المؤسّسات إلى هياكل مداولة منتخبة (مجالس أقسام،مجالس علميّة في مستوى المؤسّسات، مجالس جامعات في مستوى الجامعات ومجلس وطني ) وهياكل تنفيذ منتخبة أيضا (رؤساء المؤسّسات ورؤساء الجامعات)، على أن تخضع في ذلك إلى إشراف الدّولة.
 ولا يفوتنا في هذا الإطار أن نذكِر بأسس هذا التنظيم التي ارتقت إلى مرتبة المبادئ العامّة المعتمدة قطريّا ودوليّا (من خلال اتّفاقيات اليونسكو) من ذلك أنّ النشاط الذي نساهم في إنجازه كمدرِسين وباحثين في قطاع التًعليم العالي، هو نشاط مرفق عامّ un service public تتعهده الدّولة باسم المجموعة الوطنيّة ولصالحها بالتنظيم والتمويل والتسيير لارتباطه بوظيفة اجتماعية موضوعة على كاهلها، أساسها حق الفرد في التعليم والتكوين. وتتميّز هذه الوظيفة علاوة على ارتباط محتواها بمنظومة حقوقية قوامها حق الفرد- المواطن في التعليم - في إطار احترام حريّته الفكريّة والثّقافيّة ومبدا استقلاليًة الجامعة والجامعيِين، بأهمِية دورها في تنمية الموارد البشرية الضرورية لتحقيق التنمية الشاملة، ممّا يجعلها مسرحا لتفاعل وتشابك المصالح.
كما تجدر بنا الإشارة إلى أن هذه الأبعاد المتصلة بقطاع التعليم العالي تنتهي إلى إفراز جملة من المصالح تجسدها أطراف مختلفة توجد في مواقع مختلفة من العمليّة التربويّة أو التعليميّة : المصلحة العامّة للمجموعة الوطنيّة والتي يسهر على حمايتها جهاز الدولة في إطار السهر على تنفيذ السياسة العامّة، والمصالح الخصوصيّة للمدرّس (enseignant) والطالب المنتفع،(l'usager-enseigné) ثمّ مصالح فئات أخرى من المجتمع المدني المتعاطيّة مع القطاع والتي تشكّل المحيط الإجتماعي الذي تفرض اعتبارات النًّجاعة وكذلك سيرورة تشكّل المؤسّسات داخل النسيج الاجتماعي، الإنفتاح عليه والتفاعل معه. وهي اعتبارات يستوجب التًّسيير الديمقراطي للقطاع أخذها بعين الاعتبار لإيجاد توازن بين مستلزمات الوظيفة الإجتماعية للتعليم ومتطلبات الحرّيات الفكريًة والأكادمية المرتبطة بالأطراف المشاركة فيه كأفراد وكمجموعات، علما وأنًّ هذا التًّوازن يصعب أن يتحقق خارج تنظيم تشاركي participatif وتمثيلي، تميّزت به المؤسسات الجامعيّة والعلميّة عن باقي المؤسسات الإداريّة الأخرى وارتبط في الوقت الراهن بمقومات "التسيير الرشيد للجامعة La gouvernance universitaire"
ويتم من خلاله تشريك هذه الأطراف بدءا en amont عند وضع القوانين واتخاذ القرارات، ومؤخًّرا en aval خلال عمليًّة التًّسيير الفعلي للنًّشاط.
وننتهي في هذا الصدد إلى الوقوف عند الآثار المترتّبة عن هذه الخصوصيّات ذلك أنّ العلاقة التجاذبيّة بين الوظيفة وتنظيمها تحول دون إعتبار عمليّة التنظيم مجرّد عمليّة تقنيّة بحتة تندرج في ما يمكن تسميته "بقانون الوسائل" droit de moyens"، لأنّ نجاعتها متوقّفة على مدى توفيرها للضًّمانات الضًّروريًّة لتحصين الوظيفة التًّعليميًّة بإحترامها للمعادلات المذكورة آنفا في إطار منظومة متكاملة تستوجب:
- صياغة دقيقة وشاملة للأهداف ضمن رؤيا استراتجية للتعليم العالي والبحث العلمي يتكامل من خلالها التدريس والتكوين مع البحث العلمي مع احترام حد أدنى من التوازن بين مختلف مسارات التكوين وتحصين مجالات البحث والتكوين الأساسيين.
- ضمان مشاركة كل الأطراف المعنيًة بالقطاع في كافة المراحل التي تمر بها السياسة العامة بدءا من وضع التصورات إلى تنفيذها لتنتهي إلى تقييم نتائجها وذلك بضمان تمثيلهم داخل هياكل المداولة سواء على مستوى وطني أو على مستوى الجامعات أو مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي وإرساء آليات تشاور معهم.
كما يمثّل مبدأ الإستقلاليّة ضمانة للجامعيين من حيث كونهم موظّفين عموميّين لهم نظامهم الخاصّ الذي وجب أن يضمن عدم تبعيّتهم في أداء وظائفهم للسّلطة الإداريّة. ويجد هذا المبدأ في الحرّيات الأكادمية رافدا له ذلك أنّه حتّى يتسنّى للأساتذة أداء وظيفتهم في تكوين العقول وجب أن لا يتمّ الحدّ ضمن نظامهم الأساسي من الحقّ في التّواصل الحرّ للأفكار والآراء كامتداد طبيعي لحرّية التّعبير كحرّية مضمونة دستوريّا صلب الفصل 8 من الدّستور التونسي. ويعدّ مبدأ الحرّيات الأكادمية كذلك الضّامن الفعلي لمبدا الإستقلالية إذا اقترن بحقّ الأستاذ الباحث أو بالأحرى واجبه في تحمّل مسؤوليّة إدارة المؤسّسات الجامعيّة والجامعات والمشاركة عبر مؤسّسة الانتخاب للتّرشّح لهذه المسؤوليات أو لاختيار ممثّليه أو لتقييم أدائهم طبقا للمعايير المتّفق عليها.
 
 
par Universitaire tunisien
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Mercredi 6 février 2008

Assabah 5/2/2008

استقلالية الجامعة بين رهان الديموقراطية الإدارية وجودة الأداء
بقلم: سامي العوادي (*)

//

يستمدّ قطاع التّعليم العالي خصوصيّته من جملة من المبادئ العامّة تسمّى "المبادئ الأساسيّة للتّعليم العالي" وهي مبادئ لها جذورها في الدّستور التّونسي وبالتّالي تحظى بقيمة دستوريّة وجب احترامها والخضوع لها من طرف القانون (التّشريع) وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:

//

* مبدأ استقلاليّة الجامعة والجامعيين.

* مبدأ الحرّيات الأكادميّة.
* مبدأ حماية المرفق العامّ للتّعليم.
 ويمثّل مبدأ الإستقلالية الضّمانة الأساسية الممنوحة للتّعليم العالي وقد نصّ الفصل 34 من الدّستور على أن تتخذ شكل قوانين النّصوص المتعلّقة "بالضّمانات الأساسيّة الممنوحة للموظّفين المدنيين.." كما نصّ نفس الفصل على "ضبط القانون للمبادئ الأساسيّة للتّعليم".
1 - مبدأ إستقلاليّة الجامعة ورهان الدّيمقراطيّة الإداريّة.
ويعتبر هذا المبدأ ضمانة للجامعات أو مؤسّسات التّعليم العالي لا فقط بوصفها مؤسّسات عموميّة قائمة من حيث تعريف المؤسّسة العموميّة على مفهوم الإستقلاليّة، بل بوصفها بالخصوص مؤسّسات عموميّة قائمة بنشاط علمي وأكاديمي اقترن تسييره بالطّابع التّشاركيparticipatif لتنظيمه بحيث يقع تمثيل الأطراف المشاركة والمعنيّة بهذا النّشاط المناط بعهدتها، كما يعهد بمسؤوليّة تسيير هذه المؤسّسات إلى هياكل مداولة منتخبة (مجالس أقسام،مجالس علميّة في مستوى المؤسّسات، مجالس جامعات في مستوى الجامعات ومجلس وطني ) وهياكل تنفيذ منتخبة أيضا (رؤساء المؤسّسات ورؤساء الجامعات)، على أن تخضع في ذلك إلى إشراف الدّولة.
 ولا يفوتنا في هذا الإطار أن نذكِر بأسس هذا التنظيم التي ارتقت إلى مرتبة المبادئ العامّة المعتمدة قطريّا ودوليّا (من خلال اتّفاقيات اليونسكو) من ذلك أنّ النشاط الذي نساهم في إنجازه كمدرِسين وباحثين في قطاع التًعليم العالي، هو نشاط مرفق عامّ un service public تتعهده الدّولة باسم المجموعة الوطنيّة ولصالحها بالتنظيم والتمويل والتسيير لارتباطه بوظيفة اجتماعية موضوعة على كاهلها، أساسها حق الفرد في التعليم والتكوين. وتتميّز هذه الوظيفة علاوة على ارتباط محتواها بمنظومة حقوقية قوامها حق الفرد- المواطن في التعليم - في إطار احترام حريّته الفكريّة والثّقافيّة ومبدا استقلاليًة الجامعة والجامعيِين، بأهمِية دورها في تنمية الموارد البشرية الضرورية لتحقيق التنمية الشاملة، ممّا يجعلها مسرحا لتفاعل وتشابك المصالح.
كما تجدر بنا الإشارة إلى أن هذه الأبعاد المتصلة بقطاع التعليم العالي تنتهي إلى إفراز جملة من المصالح تجسدها أطراف مختلفة توجد في مواقع مختلفة من العمليّة التربويّة أو التعليميّة : المصلحة العامّة للمجموعة الوطنيّة والتي يسهر على حمايتها جهاز الدولة في إطار السهر على تنفيذ السياسة العامّة، والمصالح الخصوصيّة للمدرّس (enseignant) والطالب المنتفع،(l'usager-enseigné) ثمّ مصالح فئات أخرى من المجتمع المدني المتعاطيّة مع القطاع والتي تشكّل المحيط الإجتماعي الذي تفرض اعتبارات النًّجاعة وكذلك سيرورة تشكّل المؤسّسات داخل النسيج الاجتماعي، الإنفتاح عليه والتفاعل معه. وهي اعتبارات يستوجب التًّسيير الديمقراطي للقطاع أخذها بعين الاعتبار لإيجاد توازن بين مستلزمات الوظيفة الإجتماعية للتعليم ومتطلبات الحرّيات الفكريًة والأكادمية المرتبطة بالأطراف المشاركة فيه كأفراد وكمجموعات، علما وأنًّ هذا التًّوازن يصعب أن يتحقق خارج تنظيم تشاركي participatif وتمثيلي، تميّزت به المؤسسات الجامعيّة والعلميّة عن باقي المؤسسات الإداريّة الأخرى وارتبط في الوقت الراهن بمقومات "التسيير الرشيد للجامعة La gouvernance universitaire"
ويتم من خلاله تشريك هذه الأطراف بدءا en amont عند وضع القوانين واتخاذ القرارات، ومؤخًّرا en aval خلال عمليًّة التًّسيير الفعلي للنًّشاط.
وننتهي في هذا الصدد إلى الوقوف عند الآثار المترتّبة عن هذه الخصوصيّات ذلك أنّ العلاقة التجاذبيّة بين الوظيفة وتنظيمها تحول دون إعتبار عمليّة التنظيم مجرّد عمليّة تقنيّة بحتة تندرج في ما يمكن تسميته "بقانون الوسائل" droit de moyens"، لأنّ نجاعتها متوقّفة على مدى توفيرها للضًّمانات الضًّروريًّة لتحصين الوظيفة التًّعليميًّة بإحترامها للمعادلات المذكورة آنفا في إطار منظومة متكاملة تستوجب:
- صياغة دقيقة وشاملة للأهداف ضمن رؤيا استراتجية للتعليم العالي والبحث العلمي يتكامل من خلالها التدريس والتكوين مع البحث العلمي مع احترام حد أدنى من التوازن بين مختلف مسارات التكوين وتحصين مجالات البحث والتكوين الأساسيين.
- ضمان مشاركة كل الأطراف المعنيًة بالقطاع في كافة المراحل التي تمر بها السياسة العامة بدءا من وضع التصورات إلى تنفيذها لتنتهي إلى تقييم نتائجها وذلك بضمان تمثيلهم داخل هياكل المداولة سواء على مستوى وطني أو على مستوى الجامعات أو مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي وإرساء آليات تشاور معهم.
كما يمثّل مبدأ الإستقلاليّة ضمانة للجامعيين من حيث كونهم موظّفين عموميّين لهم نظامهم الخاصّ الذي وجب أن يضمن عدم تبعيّتهم في أداء وظائفهم للسّلطة الإداريّة. ويجد هذا المبدأ في الحرّيات الأكادمية رافدا له ذلك أنّه حتّى يتسنّى للأساتذة أداء وظيفتهم في تكوين العقول وجب أن لا يتمّ الحدّ ضمن نظامهم الأساسي من الحقّ في التّواصل الحرّ للأفكار والآراء كامتداد طبيعي لحرّية التّعبير كحرّية مضمونة دستوريّا صلب الفصل 8 من الدّستور التونسي. ويعدّ مبدأ الحرّيات الأكادمية كذلك الضّامن الفعلي لمبدا الإستقلالية إذا اقترن بحقّ الأستاذ الباحث أو بالأحرى واجبه في تحمّل مسؤوليّة إدارة المؤسّسات الجامعيّة والجامعات والمشاركة عبر مؤسّسة الانتخاب للتّرشّح لهذه المسؤوليات أو لاختيار ممثّليه أو لتقييم أدائهم طبقا للمعايير المتّفق عليها.
 
 
par Universitaire tunisien
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Mercredi 6 février 2008
* كيف تقيّمون تعدد المواقف والآراء واختلافها بشأن مشروع القانون التوجيهي للتعليم العالي؟
ـ لقد عرفت بلادنا منذ الإستقلال قانونين للتعليم العالي تزامن إعتمادهما مع مراحل تاريخية مختلفة هي بناء الدولة المستقلة وتكوين إطاراتها تمّ تطوير المنظومة الوطنية مع بداية التحوّل. أما مشروع القانون الجديد فهو يؤسّس لمرحلة هامّة في حياة بلادنا تعدّدت فيها التحديات واستوجبت لذلك إحداث نقلة نوعية تمكن من رفعها والتأسيس لجامعات القرن الحادي والعشرين. ونظرا لما أقرّه سيادة الرئيس زين العابدين بن علي رئيس الجمهورية من إرساء لأسس التعدّدية ودعم لأركانها، واعتبارا لتعدّد الحساسيات الفكرية فمن الطبيعي أن يساهم كلّ مهتمّ بهذا الشأن بآرائه وأفكاره ومواقفه إزاءه وأن يعبّر عنها بكلّ حرّية. وقد أصغت الوزارة إلى مشاغل كل الأطراف وتعاملت معها في مختلف المراحل في إطار التوجهات الرئيسية للمشروع.
*3/2/2008 تراهنون على تجسيم عنصر الجودة في منظومة التعليم العالي والبحث، فما هي أبرز الخطوات المقطوعة في هذا المجال خصوصا مع انطلاق تطبيق النظام الجديد للتعليم العالي "إمد"؟
ـ يندرج الرهان على تجسيم عنصر الجودة في منظومة التعليم العالي في إطار أشمل هو حرص الرئيس زين العابدين بن علي رئيس الجمهورية على الإرتقاء بالأداء والمردود في مختلف السياسات القطاعية، من ذلك تُوصّل بلادنا إلى النجاح في إنجاز برنامج التأهيل الشامل لمؤسساتنا الاقتصادية والاجتماعية مما سمح بترتيبنا ترتيبا مشرّفا على المستوى الدولي من قبل مختلف الهيئات المختصّة ذات المصداقية العالية.
أما في ما يخصّ تجسيم الجودة في منظومة التعليم العالي والبحث فإنّنا قطعنا خطوات هامة على مستوى تكوين المكوّنين لاسيّما مع انطلاق برنامج التدريب البيداغوجي للمنتدبين الجدد وتحوّل نظام شهاداتنا إلى منظومة "إمد" التي تعتمد المعايير الدولية في التكوين. وإلى جانب ذلك تمّ لأوّل مرّة إرساء برنامج تنافسي لدعم جودة التكوين من جهة وجودة التصرّف البيداغوجي والإداري والمالي خاصّة بالتقدم في التصرّف حسب الأهداف من جهة أخرى. كما تمّ لأوّل مرّة كذلك سنّ ترتيبات جديدة تؤسّس لنظام مدارس الدكتوراه التي تقوم بطبعها على الإمتياز. وأدخلنا حركيّة جديدة تتمثّل في إدخال ثقافة المنافسة بين مؤسسات التعليم العالي والبحث للفوز باعتمادات مالية تحفيزيّة للمشاريع المتميّزة. وعلى صلة بذلك تم تعميم التقييم في المؤسسات العمومية للبحث العلمي وكذلك هياكل البحث من مخابر ووحدات في الجامعات.
ونحن نراهن على الدور الهام المُوكل للأقطاب التكنولوجية لإحداث التفاعل الإيجابي بين مؤسسات التكوين ومراكز الإنتاج في المجالات المجدّدة لاستقطاب المستثمرين والمبدعين في هذه المجالات. إنّنا نراهن بقوّة وبثقة كبيرة وعزم راسخ على رفع منظومتنا التكوينية والبحثية إلى فوق. ونعوّل على كلّ ذوي النوايا الصادقة وهم كثيرون في مؤسّساتنا الجامعية لكسب هذا الرهان الوطني. ونعتقد أنّ ذلك ليس بعزيز على ذكاء أبناء تونس وبناتها من أساتذة وباحثين وطلبة.
 
* ما مدى تحسن المؤشرات المعتمدة في مجال التعليم العالي خلال الفترة الأخيرة على غرار تنوع الشهادات وتعددها خصوصا منها ذات الطابع التشغيلي, نسب التأطير داخل الجامعات مقارنة مع عدد الطلبة, توفر البنية الأساسية من مرافق وتجهيزات جامعية، وغيرها من المؤشرات؟
ـ شهدت السنوات الأخيرة تحسّنا ملحوظا في عديد المؤشرات المعتمدة في القطاع عكس ما يحظى به قطاع التعليم العالي والبحث العلمي من رعاية فائقة لسيادة الرئيس زين العابدين بن علي رئيس الجمهورية في إطار تجسيم التوجّهات الواردة في البرنامج الرئاسي. فبالنسبة إلى تعدّد الشهادات وتنوّعها خصوصا في المجالات الواعدة الأكثر تشغيلية، تجدر الإشارة إلى أنّ عدد الدارسين في شعب الإعلامية والاتصالات والملتميديا ارتفع من 11.729 طالبا في السنة الجامعية 2000-2001 إلى 42.705 طلبة من السنة الجامعية 2007-2008 وارتفع عدد الطلبة الدارسين في الفنون والحرف خلال نفس الفترة من 3900 طالب إلى 16300 طالب. بينما ارتفع في نفس الفترة عدد الطلبة بالنسبة إلى اللغات المطبّقة في الإنسانيات من 13283 طالبا إلى 28065 طالب وارتفع عدد الطلبة الدارسين في المدارس التحضيرية لتكوين المهندسين من 4684 إلى 11811 خلال نفس الفترة وعدد الطلبة الدارسين في المدارس الوطنية للهندسة من 7422 إلى 10412 خلال نفس الفترة.
أمّا مؤشّر عدد الشعب فقد ارتفع من 545 شعبة في 2004-2005 إلى 850 شعبة سنة 2007-2008. في ما يخصّ نسبة التأطير ارتفعت النسبة من أستاذ لكل 20 طالبا سنة 2000 -2001 إلى أستاذ لكلّ 18 طالبا سنة 2007 -2008. وتحسّنت نسبة المدرّسين من 19% سنة 2000 -2001 إلى 35.1% سنة 2007-2008 بالنسبة إلى الشريحة العمرية 19- 24سنة. وارتفعت نسبة الفتيات في مؤسّسات التعليم العالي من 51.9% سنة 2000 -2001 إلى 59.4% سنة 2007 -2008. وارتفع عدد الجامعات من 7 جامعات سنة 2000- 2001إلى 13 جامعة سنة 2007- 2008بينما ارتفع عدد المؤسسات الجامعية من 108 مؤسسات سنة 2000- 2001إلى 190 مؤسسة سنة 2007-2008 بما في ذلك الجامعة الافتراضية التي يؤمّها الآن ما يزيد عن 37000 طالب يتابعون الدراسات في شهادة الإعلامية والأنترنات.
بخصوص مؤشّر الإعتمادات المخصّصة لإقتناء التجهيزات العلمية الثقيلة لفائدة مؤسسات التعليم العالي والبحث يلاحظ أنّه تطوّر من 1.750م.د سنة 2003 إلى 3.690م.د سنة 2007.
أمّا حجم الإعتمادات المرصودة لإقتناء التجهيزات العلمية والإعلامية والمختلفة لفائدة الجامعات فقد تطوّر من 4.4 مليون دينار سنة 2000 إلى 29.1 مليون دينار سنة 2008.
كما تطوّرت البنية التحتية الأساسية، إذ تدعمت طاقة الاستيعاب في مجالي التكوين والإسكان وتمّ إحداث حوالي 100 ألف مقعد إضافي إمّا بتوسيع مؤسسات قائمة أو بإحداث معاهد وكليات جديدة وقد انتفعت بذلك جميع ولايات الجمهورية.
أجرى الحديث: نورالدين عاشور - رفيق بن عبد الله
par Universitaire tunisien
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Mercredi 6 février 2008

Assabah 3/2/2008

* يرى البعض أن مشروع القانون يحيل في عدّة مجالات إلى الأوامر ويعتبر هذه الإحالة في غير محلّها نظرا لأنها تدخل في مجال القانون؟
ـ إن توزيع السلطات بين مجال القانون ومجال التراتيب أو الأوامر يحدّده دستور البلاد. وبالنسبة إلى مشروع قانون التعليم العالي فإن الإحالة إلى الأوامر تخصّ كل ما لا يمسّ من المبادئ الأساسية التي تعتبر وحدها من مجال القانون. وقد نظر المجلس الدستوري في محتوى نصّ القانون بكل فصوله بما في ذلك الإحالة إلى الجوانب التي يدّعي البعض أنّها لا تستقيم دستوريّا. ولم يبد المجلس أيّ تحفّظ بشأنها، واعتبر أن مشروع القانون مطابق للدستور. وعملا بأحكام الفصل 75 من الدستور فإن رأي المجلس كان معلّلا. ورأي المجلس كما هو معلوم ملزم لجميع السلطات العموميّة إدارية كانت أم تنفيذية أم تشريعية.
* هل صحيح أن التكوين الجامعي سيصبح في إطار نظام "إمد" بمثابة التكوين المهني؟
ـ إن ضمان تشغيلية الخريجين يتطلب تمكينهم من تكوين جامعي يخوّل لهم اكتساب المعارف والكفاءات والمهارات اللازمة لمباشرة مهنة أو مجموعة من المهن المحددة، وهو ما تسعى الوزارة إلى تحقيقه بالتقريب بين متطلبات سوق الشغل وملامح التكوين الجامعي على غرار ما هو معمول به حاليا في الدّول المتقدمة وهذا التمشي نحو التكوين المرتبط بالتشغيلية هو تمشّ عام على المستوى الدولي.
أما إذا أراد البعض من نقدهم مواصلة التكوين الذي كانت تؤمنه مؤسسات عديدة لا تأخذ تشغيلية خريجيها في الاعتبار فإنّ ذلك لا يمكن اعتماده لأنّ محدوديته بارزة ولا ينازع فيها عاقل. وآل إلى تضخم عدد العاطلين منهم عن العمل خلال السنوات الأخيرة مما استوجب وضع برامج خصوصية للتكوين التكميلي لفائدتهم حتى يتسنى إعطاؤهم فرصة للاندماج في سوق الشغل.
وسواء تعلق الأمر بالتكوين التطبيقي أو بالتكوين الأساسي في نطاق الإصلاح الجامعي الجديد فإن الاتجاه يتمثل بداهة في المحافظة على مواصفات التكوين الجامعي مع الاهتمام بإدماج خريجي المؤسسات الجامعية في سوق الشغل حتى لا تواصل جامعاتنا تكوينا تقليديا لم يعد ملائما لطلبات المحيط التي تعد وحدها المحك الذي يقيّم به المردود الخارجي للمؤسسات الجامعية. وقد تجاوزت الجامعات المتقدمة في كلّ أنحاء العالم هذا الجدل. وأحدثت مئات المسالك ذات الطابع الممهنن في إطارات شراكات بنّاءة مع المحيط. لذلك آن الأوان لتجاوز المسالك المسطحة التقليدية.
* أين تكمن استقلالية الجامعات في مشروع القانون الجديد ؟
ـ يتمثّل تعزيز استقلالية الجامعات في مشروع القانون الجديد في جوانب متعّددة إذ أن للجامعات صلاحيات إدارية ومالية واسعة. ذلك أن الجامعات تتولّى انتداب الأعوان الإداريين والفنيين والعملة وتتصرّف في شؤونهم الإدارية والمالية. وهي تتصرّف أيضا في الباب الأوّل من الميزانية. وهذا الباب يخصّ مختلف نفقات التصرّف والتسيير. والجامعة هي التي توزّع الإعتمادات المالية على مختلف مؤسسات التعليم العالي الراجعة لها بالنظر. وتتصرّف الجامعات كذلك في الباب الثاني من الميزانية الذي يخصّ نفقات التجهيز. فالجامعة هي التي تصدر طلبات العروض المتعلّقة بالإقتناءات الداخلة في إنجـاز المشاريع التي تقدّمها مؤسسـات التعليم العـالي. وتتمتع الجامعات أيضا بصلاحيات بيداغوجية كاملة في مجالات التكوين والبحث المتميز. فبخصوص التكوين تصدر جميع عروض التكوين عن الجامعات من إحداث للمسالك ومراحل الدراسة كالمرحلة التحضيرية وشهادات الماجستير والدكتوراه. وتتولّى الجامعات إنجاز ذلك في إطار شراكات مع المحيط الاقتصادي والمهني أو في إطار شراكات مع الخارج.
وأمّا في مجال البحث فإنّ المؤسسات الجامعية تضع برامج البحث وتقدّم عروض إحداث وحدات البحث ومخابره وتبرمج الندوات العلمية. كما يمكنها أن تقترح مدارس الدكتوراه. وفي مجال النشر تتولّى عديد المؤسّسات الجامعيّة إعداد دوريّات علميّة محكّمة يُشهد لها عالميّا بالقيمة العلميّة الثابتة. كما تنشر رسائل البحث وأطروحات الدكتوراه وأعمال الندوات دون رجوع في ذلك للوزارة.
ويشار إلى أن القانون الجديد أقرّ مبدأ التعاقد حول التكوين والبحث. وهو مفهوم جديد أصبح شائعا في الجامعات المرموقة. ومعلوم أن التعاقد يرسم إطارا يتيح ممارسة حرّية المبادرة بما يعزّز الاستقلالية البيداغوجيّة للجامعات ومؤسسات التعليم العالي التابعة لها.
* لماذا لم يتمّ ربط المعاهد العليا للدراسات التكنولوجية بالجامعات ؟
ـ أحدثت المعاهد العليا للدراسات التكنولوجية سنة 1992 للاستجابة إلى طلب اقتصادي خصوصي يتمثل في تكوين إطارات وسيطة على مرحلة واحدة. وهذه الإطارات قابلة للتوظيف في القطاعات الصناعية والخدماتية. وقد تشكلت هذه المعاهد وفق شبكة تجمع بينها خصائص تكوينية وهيكلية من أهمها الشراكة العضوية مع المحيط الاقتصادي مع إيلاء الجوانب التطبيقية والتربّصات حيّزا هاما في التكوين فضلا عن إحداث سلك مدرسين مختصين للتدريس بهذه المعاهد وهو سلك المدرسين التكنولوجيين. ويخضع هذا السلك لنظام أساسي خاص لأعوانه ولنظام تأجير خاص بهم كذلك. ويختلف هاذان النظامان عن نظامي انتداب وتأجير مختلف أصناف أساتذة التعليم العالي. وخلافا لمنظومة المعاهد العليا للدراسات التكنولوجية فإنّ الجامعات تشرف على كليّات ومعاهد عليا تشتمل على ثلاث مراحل للتكوين. ويدرّس بهذه المؤسسات جميع الأسلاك الجامعية من مساعدين وأساتذة مساعدين وأساتذة محاضرين وأساتذة التعليم العالي.
* لماذا لم يتم تعميم مبدإ انتخاب العمداء والمديرين ورؤساء الجامعات؟
ـ تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن أنظمة تسيير الجامعات ومؤسسات التعليم العالي تختلف من دولة إلى أخرى بالنظر إلى خصوصياتها. وفي هذا الصدد أبقى مشروع القانون الحالي على ما هو معمول به في قانون 1989 بأن حافظ على انتخاب العمداء وعلى تعيين مديري المؤسسات ورؤساء الجامعات. وعلى سبيل المثال فإن المعلومات المتوفرة بخصوص العديد من الدول الشقيقة كالجزائر والمغرب ومصر والأردن والسعودية وسوريا ولبنان وموريتانيا تأخذ بمبدأ التعيين من جهة.
ومن جهة أخرى فإن المعطيات المتوفرة بخصوص دول منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية (OCDE) تعطي إفادات كبيرة في هذا المجال. وعلى سبيل المثال تعتمد فرنسا مبدأ انتخاب رؤساء الجامعات. لكن هذا الانتخاب هو ذو خصوصية لأن المشاركة فيه لا تقتصر على المدرّسين الجامعيين بل تشمل الموظفـين والفنيــين والأعوان والطلبة. إلاّ أنّ رئيس الجامعة يعمل تحت سلطة رئيس الأكاديمية (Le Recteur de l'Académie) الذي هو مُعيّن والذي تمّتدّ صلاحياته لا إلى مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي فحسب بل كذلك إلى المؤسسات التربوية من مدارس ومعاهد ثانوية.
وخلافا لما يتراءى للبعــــض فإنّ مؤسّسة العمادة في فرنســــا لم تعد كمـــا كانت سابقـــا بــــل إنّ الجامعـــــات أصبحــــت تعتمد داخلها نظــام "وحدات التكويــــن والبحث" (Unité de Formation et de Recherche UFR) التي تقتصر استقلاليتها على المجال البيداغوجيّ دون سواه. وليس لها شخصيّة قانونيّة ولا استقلال مالي واحتفظت فقط بصلاحيات بيداغوجيّة نسبيّة إذ هي مُلزمة بتقديم عروض التكوين إلى مجلس إدارة الجامعة للمصادقة عليها.
أما في الأنظمة الأنقلوسكسونية فإنّ الجامعات تعمل بمنطق المؤسسة الاقتصادية وتُسيّر طبقا لذلك إذ يسيّرها رؤساء لمجالس الإدارة ولا تعرف نظام انتخاب العمداء. ثمّ إنّ موارد الجامعة جُلّها أو كلّها موارد خاصّة.
والواقع أن الإبقاء على صيغ الانتخاب في الكليات في بلادنا والتي تغيّرت في أوروبا كما أبرزناه يعود خاصة إلى غياب مؤسسة الجامعة في بلادنا بين سنتي 1968 و1986 وهو ما خلق "تقاليد" مغايرة لما هو معتمد في الأنظمة التي تعطي الجامعة وحدها الشخصية المدنية والإستقلال الإداري والمالي.
* يرى البعض أن إدراج موضوع التقييم في مشروع القانون يؤدي إلى شكل من أشكال التفقّد البيداغوجي في التعليم العالي؟
ـ تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الدول المتقدمة أدرجت منذ مدّة طويلة مبدأ التقييم في جامعاتها وحدّدت صيغه وضبطت تبعات نتائجه وجعلته شاملا يهمّ في وقت واحد الجامعة والمؤسسة والأستاذ المدرّس. وقد قطعت في هذا المجال أشواطا بعيدة. وجعلت مختلف المتدخلين في المنظومة خاضعين لهذا النظام ممّا أضفى على التكوين والبحث والتسيير الإداري والبيداغوجي والمالي شفافية مطلقة. وسمح اعتماد التقييم بالتقدّم أشواطا كبيرة في مجال تحقيق الجودة.
والحقيقة أن منظومتنا الوطنية لم تعمل بمبدأ التقييم إلا بصفة محتشمة. وهي تفتقر إلى تقاليد في هذا المجال. بينما يعتمد التقييم كأداة رئيسية في عملية التمويل العمومي للجامعات ومؤسسات التعليم العالي في الدول المتقدمة. وحرصا منّا على اللحاق بمعايير الدولية في هذا المجال تمّ إدراج التقييم في مشروع القانون ليشمل لأوّل مرّة في نصّ من هذا المستوى تقييم المسالك والمؤسسات والمدرّسين كذلك.
ويهدف التقييم خاصة إلى قياس أداء المؤسسة وتحديد مردودها الداخلي والخارجي وبذلك يكون التقييم آلية للتطوير والتجديد إذ يمكّن المؤسسة من تشخيص مزاياها التفاضلية والوقوف على مواطن الضعف لتداركها بما يؤهلها للتموقع في المشهد الجامعي الوطني والدولي ويعزّز مقروئية (lisibilité) شهائدها لدى الرأي العام الداخلي والخارجيّ.
أمّا في ما يتعلّق بعلاقة التقييم بالتفقّد البيداغوجي فينبغي الإشارة إلى أنّ ذلك ناتج عن خلط بين المفهومين. إذ التفقّد البيداغوجي غير وارد إطلاقا في المؤسّسات الجامعية ولا وجود لشيء آخر غير التفقّد الإداري والمالي العادي لمؤسسات التعليم العالي والبحث كلّما تطلّب الأمر ذلك.
* ما هي أبرز ملامح مستقبل الجامعة التونسية خلال المرحلة المقبلة في ظلّ القانون التوجيهي للتعليم العالي؟
ـ في إطار تجسيم البرنامج الإنتخابي للرئيس زين العابدين بن علي تتمثل أبرز ملامح مستقبل الجامعات التونسية في المرحلة القادمة خاصة في توفير التكوين الملائم لمقتضيات التنمية ومتطلبات سوق الشغل. كما تهدف إلى تحقيق شراكة فعلية وناجعة مع المحيط الإقتصادي والصناعي لتخريج حاملي شهادات تعليم عالي قادرين على الإندماج في سوق الشغل. إمّا بالعمل في القطاع العمومي أو الخاص أو بإحداث الخريجين لمشاريعهم الشخصية مستفيدين في ذلك من مختلف الآليات التي وضعتها الدولة للغرض وفي هذا السياق سيتمّ دعم البناء المشترك في الإجازات التطبيقية التي يضعها الجامعيون والمهنيون. كما يمكن الإستفادة من الفضاءات وأساليب الإحاطة والتأطير التي توفّرها محاضن المؤسّسات لباعثي المشاريع من الخريجين.
وسيتم الاهتمام بتطوير عروض التكوين والاتجاه نحو تعدّد الشهادات المشتركة مع الجامعات الأجنبية والتأطير المشترك لأطروحات الدكتوراه مع هذه الجامعات لمزيد التعريف بمنتوجنا ومواصفاته ومزيد التركيز على لحاقنا بالمعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال بالتدّرج نحو تعميم نظام الجودة وإحداث أقطاب امتياز في مختلف الجامعات.
ومن أهمّ مشاغلنا بالنسبة إلى المرحلة القادمة كذلك التركيز على مشاريع تكوين وبحث تهدف إلى تملّك التكنولوجيا وتطويرها والاهتمام أكثر بالبحث التنموي في سياق التوصيات المنبثقة عن الأيام الوطنية للبحث العلمي التي انعقدت في نوفمبر الماضي وشارك فيها ما يناهز 2200 باحث إضافة على ممثلي الأحزاب والمنظّمات الوطنية.
إنّ هذه الإستراتيجية التي تهدف تدريجيا إلى التقدّم بخطى ثابتة نحو بناء جامعة وذلك خاصة في اتجاه تجسيم سياسة الجودة والاعتماد بالنسبة إلى مؤسساتنا التكوينية والبحثية. وسيساعدنا ذلك على رفع تحدّيات المنافسة الشاملة في عصر العولمة وكذلك على الاندراج تدريجيّا في الترتيب العالمي للجامعات. وتجدر الإشارة في هذا السياق لإنارة الرأي العام الوطني إلى أنّ التقرير الأخير لمنتدى دافوس العالمي الذي ينبني على تقييم من المهنيين وصنّاع القرار السياسي والاقتصادي رتّب بلادنا في المرتبة 26 بالنسبة إلى التجديد وفي المرتبة 30 بالنسبة إلى التعليم العالي عالميّا.
 
par Universitaire tunisien
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Mercredi 6 février 2008

Assabah 3/2/2008

الموقف النقابي يثمر تعديلات جديدة...فهل يؤدي الأمر إلى التوافق بين أطراف الخلاف؟

//

 
 
تونس - الصباح: ما يزال موضوع القانون التوجيهي للتعليم العالي والبحث العلمي، يثير الكثير من النقاش في الأوساط الجامعية والنقابية والبرلمانية، بالإضافة إلى الفاعلين في الحقل السياسي والتربوي، بالنظر إلى أهمية هذا المشروع الذي من المتوقع أن يتم العمل به لفترة قد تتجاوز العشرين عاما،

//

 
 وهو ما يفسر الجدل الكبير الذي رافق هذا المشروع منذ الإعلان عنه من طرف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، قبل أن يحتدّ النقاش بشأنه خلال الأسبوعين الماضيين، عندما تقرر النظر فيه صلب جلسة عامة برلمانية، وهو الخبر الذي اضطر النقابيين للتحرك، سواء من خلال رسائل تم توجيهها إلى اللجنة المكلفة بالنظر في المشروع داخل مجلس النواب، ثم إلى رئيس اللجنة بالذات، تضمنت موقف الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي من هذا المشروع ومقاربتها لموضوع تطوير منظومة التعليم العالي برمتها..
رسالة غيرت المعادلة..
على أن تحرك النقابيين لم يقتصر على الجامعة النقابية العامة، وإنما شملت المركزية النقابية، من خلال الرسالة التي وجهها السيد عبد السلام جراد، الأمين العام لاتحاد الشغل إلى الوزير الأول قبل بضعة أيام، تمحورت حول هذا الملف الذي أخذ منعرجا جديدا بعد قرار مجلس النواب إعادة مشروع القانون إلى اللجنة البرلمانية المعنية مجددا، لمزيد تدارسه قبل إحالته على جلسة برلمانية عامة لمناقشته والتصديق عليه في وقت لاحق..
رسالة الأمين العام لاتحاد الشغل، كانت واضحة من حيث مضمونها ودلالاتها، بالنظر إلى استخدامها لغة واضحة تدعو إلى الحوار وعدم القفز على وجهة نظر الطرف النقابي الذي يمثل آلاف الجامعيين من جهة، فضلا عن توفره على وجهة نظر تمثل بكل المقاييس، إضافة نوعية رصينة للتعليم العالي، وليست بالضرورة مقاربة "تصعيدية" تبحث عن الخلاف لمجرد الخلاف مع وزارة الإشراف، من جهة ثانية..
لم تتضمن الرسالة حينئذ، سوى الإشارة إلى أن "صياغة مشروع القانون، قد تمت من دون تشاور مع الممثلين النقابيين للمدرسين الجامعيين"، وأنه تم عرض المشروع على اللجان المختصة بمجلس النواب ومجلس المستشارين "من دون الأخذ بعين الاعتبار مقترحات الاتحاد العام التونسي للشغل ورأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي"، هذا بالإضافة إلى كون "اللجان المعنية بمجلس النواب، طرحت بدورها عديد التساؤلات المهمة حول هذا النص"، على حدّ تعبير رسالة الأمين العام لاتحاد الشغل للوزارة الأولى..
واللافت للنظر في هذا السياق، أن الوزارة الأولى التقطت هذه الرسالة بشكل إيجابي، وهو ما يفسر القرار المتخذ بشأن إعادة مشروع القانون الجديد إلى اللجنة البرلمانية لكي تكون الحاضنة للمناقشات والآراء التي ستقدم في هذا المجال، وهو التريث الذي كان اقترحه جراد في رسالته إلى الحكومة، من دون أن يحدد صيغة معينة لعملية التريث هذه...
تعديلات جديدة..
لكن الأمين العام لاتحاد الشغل، شدد في رسالته أيضا على أن المنظمة الشغيلة، تعتبر إصلاح التعليم العالي، "ضرورة حيوية من أجل النهوض بأداء المؤسسات الجامعية"، ومعنى ذلك أن اتحاد الشغل لا يتحرك من موقع المعارضة للمشروع، من أجل المعارضة أو تسجيل موقف فحسب، بقدر ما ينطلق من الحاجة الماسة لتطوير منظومة التعليم العالي، لكن على قاعدة التوافق والتشاور، وهو ما قد يكون البعض لم يول له اهتماما عند إعداد مشروع القانون. وعلمت "الصباح" من جهة ثانية، أن وزارة التعليم العالي أجرت بعض التعديلات على مشروع القانون الجديد، شملت عدة فصول بينها ما يتعلق بمنزلة الطالب في المنظومة التربوية، حيث تم التأكيد على أن الطالب يحتل مكانة بارزة ضمن هذه المنظومة، وهو التأكيد الذي جاء عل خلفية الانتقادات التي أبداها الطرف النقابي بهذا الشأن..
وتضمنت التعديلات كذلك، تعميق عدة مفاهيم مثل الجودة والتقييم والاستقلالية والاعتماد، وهي المفاهيم التي كانت أثارت انتقادات من هنا وهناك..
غير أن المآخذ الرئيسية التي سجلتها الجامعة النقابية العامة للتعليم العالي والبحث العلمي، "لم يقع تحويرها" على حدّ قول الكاتب العام للجامعة..
وقال السيد سامي العوادي في تصريح لـ "الصباح"، أن ثمة عدة مسائل لم تطلها التعديلات المقترحة، بينها التنصيص على مبدأ التعيين بدل الانتخاب، الذي جعله القانون استثناء فيما جعل التعيين هو القاعدة، وهو ما سبق لأحد لجان المجلس الاقتصادي والاجتماعي أن لاحظته في تقريرها الأولي..
وأوضح رئيس الجامعة النقابية العامة، أن التعديلات لم تدرج مسألة إحداث مجلس أعلى للتعليم العالي، الذي تم اقتراحه من أكثر من طرف..
وقال سامي العوادي، الكاتب العام للجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي، أن القانون التوجيهي الجديد للتعليم العالي، تجاوز القطاع ليمس كل المنظمة الشغيلة، نظرا لأهميته القصوى، باعتباره قانونا يهمّ مختلف شرائح المجتمع...
وذكرت مصادر برلمانية مطلعة، أن بعض نواب لجنة التربية، اقترحوا في الآونة الأخيرة، ضرورة إعادة مشروع القانون بتعديلاته الجديدة، إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للإدلاء برأيه فيه..
ومن المتوقع أن يكون اجتماع اللجنة البرلمانية المقرر لبداية الأسبوع القادم، محددا في اتجاهات مشروع القانون، وهو الاجتماع الذي لا يستبعد أن يكون ساخنا باعتبار التطورات الحاصلة في هذا المجال..
أحزاب تتحرك..
في هذا السياق، تفيد بعض المعلومات أن بعض الأحزاب السياسية، تنوي تشكيل لجان تفكير لدراسة هذا المشروع، وتحديد موقف تفصيلي بشأنه، فيما تفكر بعض الأحزاب الأخرى في عقد ندوات فكرية يشارك فيها جامعيون لمناقشة المشروع، وذلك بغاية تعميق النظر في هذا النص الذي أقام الدنيا ولم يقعدها منذ الإعلان عنه قبل بضعة أسابيع..
فهل تكون التطورات الأخيرة، مدخلا لإنهاء الخلاف حول هذا الموضوع، واستثمار الآراء المختلفة بشأنه من أجل تقويته وجعله معبّرا عن أوسع عدد ممكن من الجامعيين والمدرسين في التعليم العالي؟؟
صالح عطية
 

 

par Universitaire tunisien
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Mercredi 6 février 2008

Assa

ضرورة إحداث النقلة النوعية
بقلم: منير الكشو(*)

//

قرار حكيم ومسؤول ذاك الذي اتخذته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيات ومن ثمة الحكومة، بسحب مشروع القانون التوجيهي للتعليم العالي من جلسة التصويت أمام البرلمان لإعادته إلى اللجان البرلمانية حتى يتواصل التداول في شأنه وحتى يعاد النظر في بنوده.

//

 وهو قرار من شانه أن يخفٌض من حدّة التوتر في الجامعة، ومن موجة الاستياء والقلق والإحباط التي انتابت الكثيرين وخاصة الجامعيين حول مستقبل التعليم العالي وإمكانية النهوض بأوضاعه إثر ما تسرّب حول مضامين هذا القانون.
وهو قرار من شأنه أن يعيد إليهم الأمل في إمكانية إصلاح وضع الجامعة التونسية حتى يتسنى لها تبوأ المكانة التي تستحقها داخل النسيج الاجتماعي وحتى تتمكن من الاضطلاع بدورها في التكوين والبحث العلمي والإسهام في التنمية الاقتصادية والثقافية لاندماج أفضل لبلادنا في عالم منفتح أكثر فأكثر على المنافسة، ويقوم فيه إنتاج المعرفة بدور أساسي. كما أنه لا يتعين أن ننظر إلى هذا القرار على انه انتصار للبعض وهزيمة للبعض الآخر أو تقدم لطرف وتراجع لطرف آخر وإنما كفرصة قد تكون تاريخية لإحداث تحوٌل نوعي يقطع مع سلبيات الماضي ويضع منظومة التعليم في بلادنا على درب يجعل جامعاتنا قادرة على منافسة جامعات البلدان الأخرى، ليس على صعيد تبليغ المعرفة وإيصالها على نحو جيد فقط، وإنما على إنتاجها وتطويرها أيضا. ومن البديهي أن ذلك لا يكون ممكنا إلاٌ إذا تمكنت الجامعة التونسية من الحفاظ على الخبرات والكفاءات الفكرية والعلمية التي لديها الآن، واستطاعت أن تستقطب أخرى، وخاصة تلك التي تخرجت من الجامعة التونسية واستقرت في جامعات ببلدان متقدمة، في وضع يحتدم فيه التنافس بين الجامعات على صعيد العالمي، لاستقطاب الكفاءات العلمية والعناصر النوعية القادرة على تقديم الإضافة المرجوة على صعيدي التكوين والبحث.
الحرية الأكاديمية..
غير أنه ووفقا لما تناهى إلى علمنا من خلال ما تناقلته الصحف وبلاغات الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي، ولما تسرب عن مداولات لجان مجلس النواب، ووفقا لما ورد كذلك في تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي، فإن مشروع القانون التوجيهي في صيغته الراهنة، لا يحقق هذا المطلب ولا يمكن من تحسين أداء منظومة التعليم العالي في بلادنا بحثا وتدريسا.
فالجامعة التونسية تعاني من ضعف الممارسات الديمقراطية، ومن انعدام الجدل والحوار بين الفاعلين سواء على صعيد التدريس أو البحث، ومن تهميش متواصل للنخب والكفاءات العلمية والفكرية. ويكفي التذكير في هذا السياق، بأن نسبة المؤسسات الجامعية التي ينتخب فيها العمداء والإطار المشرف على التسيير لا تتعدى 10% من مجموع المعاهد والكليات المكونة لمنظومة التعليم العالي. ورغم أن سلطة الإشراف حرصت فيما مضى على القيام باستشارة المجالس العلمية قبل تعيين مدير معهد عال أو عميد كلية لم يتوفر فيها شرط وجود 8 مدرسين من صنف (أ)، حتى يتسنى لها انتخاب العميد من المجلس العلمي، فهي لا تبدو اليوم مهتمة بتوفر شرط التوافق قبل التعيين. بل أنها عمدت إلى تسمية في رتبة مدير من لم يحالفه الحظ للفوز بثقة زملائه في تولي مسؤولية العمادة في مؤسسة أخرى. كما أن مختلف لجان الانتداب قد أصبحت فعليا معينة من طرف الوزارة ولم تعد منتخبة. هذا وإن كان القانون يضمن في الشكل انتخابها، فإن الاشتراطات التي أدخلت لا حقا، مثل ضرورة قيام نصف المدرسين في الاختصاص والدرجة التي ينوي المترشح تمثيلها في لجنة الانتداب بالاقتراع، ولجوء الوزارة إلى المبالغة في تحديد موعد تقديم الترشحات كما حصل هذه السنة، جعل الكثيرين ينصرفون عن الترشح والانتخاب وينتظرون تكليفا أو تعيينا في إحدى لجان الانتداب، قد يأتي في يوم ما أو قد لا يأتي، فيغادرون الجامعة عند الإحالة على التقاعد ولم يسهموا ولو لمرة واحدة في مناقشة ملف مرشح للانتداب. أضف إلى ذلك أن صلاحيات العمداء والمديرين والمجالس العلمية، التي حشرها قانون سنة 1989 في زاوية ضيقة، بأن أوكل لها مهمة استشارية وجّردها من كل صلاحية اتخاذ القرارات، آخذة في التآكل لصالح تضخم مفرط لصلاحيات ومشمولات رؤساء الجامعات، جراء تعدد المناشير وكثرتها، باعتبارها تنهال عليهم وعلى إطار التدريس من سلطة الإشراف. كل هذا إمعان في تهميش إطار التدريس والباحثين وجعلهم غرباء في المؤسسات التي ينتمون إليها.
أما فيما يتعلق بالجامعات، فأمرها يبدو غريبا في بلادنا.. إذ من النادر أن نجد في العالم هذا العدد المفرط من الجامعات لعدد من الطلبة لا يتجاوز 326 ألف طالب، وليس خفيا أن إحداث جامعة يعني تشكيل جهاز إداري جديد وخلق خطط وظيفية جديدة وتخصيص اعتمادات مالية إضافية مما يثقل ميزانية التصرف ويقلص المردودية، وهو أمر نلمس آثاره السلبية عندما ننظر إلى ما عليه بعض المؤسسات الجامعية من ترهل وتردي على مستوى البناء والتجهيز. ألم يكن من الأجدى دمج بعض الجامعات ببعضها وتحويل تلك الأموال التي تنفق في تسييرها إلى المؤسسات التدريسّية والبحثيّة؟
حول تسيير الجامعات..
أما من جهة التسيير للجامعات، فنحن لا نفهم لماذا هذا الإصرار الدائم على تهميش دور مجالس الجامعات، وعدم إعلام الجامعيين بمواعيد اجتماعاتها ودورها والقرارات التي من شأنها اتخاذها. إذ يبدو أن هذه المجالس عرفت نفس المصير الذي عرفته سائر هياكل التسيير الذاتي المنتخبة والممثلة في الجامعة التونسية، وهو أن يقتصر دورها على تقديم النصيحة والمشورة عندما يتفضل سيادة رئيس الجامعة ويدعوها للانعقاد في حين أنه ليس ملزما باتباع ما ارتأته. وفي الوقت الذي كنا ننتظر فيه من مشروع القانون التوجيهي الجديد أن يتلافى هذا الحيف في حق مجالس الجامعات، فإنه واصل في تجاهل دورها ولم يقض بتنشيطها وإعطائها فعالية أكبر في تسيير الجامعات والتنسيق بينها وهياكل التسيير الذاتي كالمجالس العلمية الموجودة داخل الأجزاء. وفي الوقت الذي أصبحت فيه استقلالية الجامعة مقتضى دوليا أساسيا وضروريا لتطور مجتمعات المعرفة، فإن مشروع القانون الجديد لا يقدم لنا إلا إشارات باهتة ومتناقضة حول هذا الأمر.. فإذا كان الفصل 10 ينص على أن الجامعات مستقلة في أداء وظائفها البيداغوجية، وأنها تضمن موضوعية المعرفة، فقد أحجم عن التنصيص على الأدوات لتحقيق هذه الاستقلالية، ولم يتوقف عند تبيان معناها. فنحن نعرف أن في الجامعات الأوروبية، والتي لم تلتحق بها الجامعات الفرنسية إلا هذه السنة، ودون تخلي الدولة أو الجماعات المحلية عن دورها في التمويل، فإن الاستقلالية تتعلق في جزء كبير بالتوظيف والانتداب (من الموظفين والعملة إلى الأساتذة والباحثين)، بالإضافة إلى التمويل والتصرف وقبول الطلبة وتوجيهم إلى مجالات التخصص، وكذلك بلورة الدراسات ورسم التوجهات الكبرى. ويجب أن يصاحب ضمان استقلال الجامعات، الحرص على عدم تحوّلها إلى مراكز للتكوين المهني، كما توحي بذلك الصيغة الواردة في الفصل 9 من مشروع القانون، عندما يعرف الجامعة بأنها "مؤسسة عمومية ذات صبغة علمية وتكنولوجية... تخضع إلى التشريع التجاريٍ"، أو في باب آخر عندما يعدد مصادر التمويل ليجعل ميزانية الدولة كمصدر أخير، في حين أن التمويل العمومي في أغلب بلدان العالم، باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية واليابان (حيث يمثل حجم التمويل العمومي 45.1% و41.5%) لأسباب تاريخية، يمثل التمويل العمومي المصدر الرئيسي لميزانية التعليم العالي.. ففي إنجلترا يمثل 72%، في حين أنه يمثل في ألمانيا 91.1%، وفي فرنسا 85.7%، أما في إسبانيا التي عملت على التخفيف من أعباء الإنفاق العمومي، عبر التشجيع على بعث الجامعات الحرة، فيظل مع ذلك في حدود 76.3%( المصدرOCDE 2002 )..
ليست مؤسسات للتكوين المهني
ويجري الحديث اليوم على كون المؤسسات الاقتصادية قادرة على تمويل التعليم العالي، وهو حديث غير جدي، لأننا ندرك الأوضاع الهشة للمؤسسات الاقتصادية في بلادنا.. إن خطر تحويل الجامعات إلى مراكز للتكوين تنكّر لوظيفتها وطبيعة مهامها التي يمكن إجمالها في، إنتاج المعرفة العلمية وإدماجها ضمن حاجات المجتمع، وتوفير الشروط الأساسية لاكتساب المعارف، وتكوين المهارات التي تقتضيها مهن متطورة ذات قيمة إضافية عالية، ثم توفير تعليم قادر على الإجابة على أسئلة المعنى ومقتضيات العيش المشترك. ويتطلب كل هذا، مراجعة وإصلاح متواصل ودؤوب للمناهج وأنماط التفكير، وتوطيد الصلة بين البحث والتدريس ومدّ الجسور بين الاختصاصات. وهو ما يقتضي أيضا فك عزلة الجامعة وربطها بمحيطها ليس الاقتصادي فحسب، وإنما أيضا الاجتماعي والثقافي، حتى تسهم الجامعة في تطوير ثقافة المجتمع..
ليس خفيا على أحد، أن ذلك يتطلب تكريس مبدأ استقلالية وصون موضوعية المعرفة بضمان الحريات الأكاديمية.. إلا أن النص يعلن عن المبدإ دون تكريس له في الواقع، فكيف يمكن للجامعات أن تكون مستقلة في الوقت الذي يكون فيه رؤساؤها معينون من الوزارة ولا يساءلون من مجلس الجامعة؟ ثم لماذا غفل مشروع القانون عن التنصيص على ضرورة احترام وضمان الحريات الأكاديمية؟ هل لأن من تولوا صياغته يعتقدون في إمكان الفصل بين موضوعية المعرفة والحرية في إنتاجها ونقدها قصد تطويرها وترويجها والحوار والجدال بين أهل العلم من أجل تصويب مسالكها؟
إن كل هذا، يعطي الانطباع بأن هاجس التحكم الإداري قد طغى على صياغة مشروع نص القانون، فهو يطمئن الإداريين وذوي التطلعات الإدارية على مواقعهم والريع والامتيازات المكتسبة ونظام الوصاية، بدلا من أن يوفر الشروط والبنى الضرورية لتأهيل الجامعة التونسية حتى تكون جالبة ومنتجة للكفاءات والطاقات، بدلا من أن تكون نابذة لها، كما هو وضعها الراهن... ولعل ما يحز في النفس حقا، هو أنه في الوقت الذي تتنافس الجامعات في أوروبا وأميركا على جلب واستقطاب أفضل المتخرجين، نرى في بلادنا جمهرة من الجامعيين الشباب منهم من هو متحصل على الدكتوراه من جامعات أمريكية وأوروبية في اختصاصات علمية دقيقة ونادرة، معتصمين أمام الاتحاد العام التونسي للشغل يصرخون بأعلى أصواتهم "صامدين صامدين للتفاوض طالبين".. فإلى متى هذا الهدر للطاقات والوقت فيما أن الحوار والتشاور واحترام استقلالية الجامعيين وكرامتهم، والتعامل الندي معهم بدل الانفراد بالرأي، وتشريكهم من خلال هياكل التسيير الذاتي أو عبر ممثليهم، من شأنه أن يحفز هممهم.. فعيوب القانون الحالي بادية للعيان، والمشروع الجديد لا ينذر خيرا، وهذا ما تفطنت إليه المؤسسات الدستورية في بلادنا، من المجلس الاقتصادي والاجتماعي، إلى مجلس النواب.. وليس من المفيد الدفع بأولئك المستفيدين من الوضع الحالي، ومن غياب التشاور والشفافية والتشاركية، إلى امتداح السياسة الحالية ومشروع القانون، لأن عيوبه لم تعد خافية على أحد...
(*) أستاذ محاضر بكلية العلوم الإنسانية
والاجتماعية تونس

bah 1/2/2008

par Universitaire tunisien
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Mercredi 6 février 2008

Assabah 1/2/2008

الحوار والمشاركة
بقلم: سعيد بحيرة(*)

//

أثار مشروع القانون التوجيهي الجديد حول التعليم العالي موجة من الجدل والحوار في مواقع عدة وفي ذلك ظاهرة صحية تنم عن حيوية القطاع من جهة وحيوية المؤسسات والرأي العام من جهة أخرى. ولايمكن للمرء إلا أن يكون مرتاحا للتناظر بإيجابية ملحوظة في مسألة وطنية هامة كهذه،

//

 فالتعليم الجامعي الذي كان يثير التساؤلات والمخاوف قبيل التحول أصبح احد الروافد الأساسية لعملة التنمية في عهد التغيير وشهد إصلاحات جوهرية شجاعة أقحمته في المنظومة العالمية المتقدمة للتكوين الجامعي، فعرفت سنة 1989 صدور القانون المنظم للتعليم العالي الذي وضع له الرئيس بن علي التوجهات الكبرى وشاركت مختلف الأطراف المعنية بالقطاع في إثراء مضامينه وصياغة ملامحه. وقد كرس ذلك القانون إصلاحات هيكلية جاءت لتواكب النهوض الفعال الذي شهده اقتصاد البلاد ونواحيها الأخرى الثقافية والاجتماعية ولتلبي كذلك حاجيات هذه القطاعات من إطارات ماهرة وكفاءات مختصة. وأقرت الخطة الإصلاحية مبادئ اللامركزية الجامعية وخيار التسيير الديمقراطي للمؤسسات وإرساء خارطة جامعية غطت كل جهات البلاد لاسيما عن طريق شبكة المعاهد العليا للدراسات التكنولوجية. وبدون الدخول في التفاصيل فإن النسق الإصلاحي للتعليم العالي أثمر مناخا من المشاركة الخصبة لمدرسي التعليم العالي وارتياحا شاملا في صفوف الطلبة والأولياء وتحسنا ملحوظا في نوعية التكوين ونسب النجاح، وتدعم المسار بصدور القانون التوجيهي حول البحث العلمي في جانفي 1996 وقد رسم الأهداف الأساسية وربط بين البحث الجامعي وتنمية الاقتصاد الوطني وضرورة مواكبة التقدم التكنولوجي في العالم. ولم تتوقف عمليات الإصلاح في التعليم العالي بالنظر إلى المتغيرات السريعة والعميقة التي يشهدها مثيله في العالم المتقدم وباعتبار التحولات الهيكلية التي حدثت صل